قبل خطاب أوباما
يوجّه الرئيس الأمريكي الجديد باراك أوباما خطاباً “تاريخياً” للعالم الإسلامي من داخل جامعة القاهرة اليوم، ومن المتوقع أن تتابع العديد من القوى السياسية في العالم الإسلامي هذا الخطاب المهم، فبخلاف الدعوات المتشدّدة أبدى العديد من الإسلاميين الحركيين في المنطقة اهتمامهم لما سيتضمنه هذا الخطاب.
ربما من الأهمية بمكان أن نقرأ حيثيات وظروف هذا الخطاب، وهي حيثيات سياسية واقتصادية واجتماعية متشابكة ومعقّدة ومليئة بالاختلاف بوجهات النظر، فما فعلته أميركا في فترة الرئيس بوش لم يكن مريحاً أبداً لعموم الشارع الإسلامي بمختلف توجهاته الفكرية والمذهبية.
للمتتبع أن يستشرف قدراً من الايجابية في الخطاب المرتقب، إيجابية لم يعهدها العالم الإسلامي من قِبل الإدارة الأميركية السابقة التي عاثت في الأرض فساداً وأشاعت ثقافة الإرهاب وأشعلت الحروب، قد لا تكون هذه الايجابية بالقدر الذي يطوي كل الملفات والمشاكل مع أميركا، إلا أنها تبقى بوابة مهمة لعلاقة ذات معالم جديدة مع هذه القوة الاستكبارية.
وطبعاً إن إختيار أوباما لمصر لم يأت من فراغ، حيث أن هناك حيثيات موضوعية تعزّز وتقوّي هذا الاختيار، لا سيما وأن الحكومة المصرية لم تزل تجمع أنفاسها بعد فضيحة عدم فتحها لمعبر رفح أيام الحرب الظالمة على قطاع غزة وحكومة حماس، لقد أثبت الحكومة المصرية تطابق وجهات نظرها التامّ مع الموقف الأميركي، وهو ما أثمر اطمئناناً أعمق ومكانة سياسية أكبر لمصر في أروقة صنع القرار في البيت الأبيض.
التراشق الإعلامي والسياسي ما بين الحكومة المصرية وحزب الله اللبناني جعل الموقف المصري في حرج شديد أمام الرأي العام في داخل مصر وفي العالم العربي والإسلامي كذلك، وهذا أمر يهدّد قوة التأثير المصري المطلوبة في الوسط العربي والإسلامي، والاختيار الأميركي لمصر منطلقاً لمخاطبة المسلمين يعيد لها شيئاً من ماء الوجه وشيئاً من المكانة التي تأثرت كثيراً في الشهور المنصرمة.
جزء من الاختيار الأميركي للقاهرة هو اعتدال الإسلاميين في مصر تجاه القضايا الحركية، فهم في الأغلب يتبعون المذهب الحنفي الأقل تشدداً من الإسلاميين في المملكة العربية السعودية التي تسودها الأفكار الوهابية المتشددة، فمقارنة بسيطة بين موقف الإسلاميين في مصر والإسلاميين في السعودية سيوضح لنا مدى تباين القراءة الحركية لكلا الفريقان، فإسلاميي مصر سيكونون من حضور خطاب الرئيس أوباما ممثلين بعشرة نواب من الإخوان المسلمين.
اختيار الرئيس الأميركي لمخاطبة قوى الاعتدال والوسطية الإسلامية هو اختيار إيجابي في حدّ ذاته، وتقويض لنفوذ وجهات النظر الإسلامية المتشددة، وضربة قوية في قلب الفكر الإرهابي في المنطقة، غير أن ذلك لا يعني بأي حال من الأحوال أن تتفاعل الحركات الإسلامية المعتدلة في العالم تفاعلاً ذليلاً وضعيفاً مع مخرجات خطاب الرئيس الأميركي اليوم.
هناك حاجة ماسة للتمسك بوسطية الإسلام في وجه هذا المدّ المتشدّد الذي أنتج تعديات ظالمة على مقدسات الدين الإسلامي، والتمسك بالوسطية لا يعني الذوبان في المشروع الأميركي، بقدر ما يعني الدفع باتجاه تخاطب حضاري يحترم فيه الإنسان وتصان فيه الحقوق.
كي تكسب الإدارة الأميركية رضا الشارع الإسلامي، لابدّ لها أن تجعل من موقفها أكثر حزماً مع التمادي الصهيوني في المنطقة، وأن تتخلى أميركا عن دعمها اللامحدود للعدو الصهيوني المغتصب لأرض فلسطين، وأن تنأى بنفسها عن التدخل في الشؤون السياسية لدول المنطقة -لبنان مثالاً- وأن تمارس ضغوطاً أوضح ضد حكومات المنطقة لأجل تعزيز الحقوق السياسية والمدنية للمسلمين وهي أمور من المستبعد جداً أن تتجاوز مستوى الخطاب الأميركي في يوم من الأيام.